منتدى الاشتراكي الثوري
اهلا وسهلا بالزائر الكريم
انت غير مسجل في المنتدى نتمنى منك التسجيل
لاتفتك فرصه المشاركه والنقاش الموضوعي وابداء الرأي


عــــــاشــــــــــت المــــاركــــــــسية اللــــــــــــــــينيــــة المــــــــاويـــــــة

رحل درويش وبقي ظله العالي.. القصيدة تتشح بالسواد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رحل درويش وبقي ظله العالي.. القصيدة تتشح بالسواد

مُساهمة من طرف ادريس في الجمعة أغسطس 29, 2008 6:47 pm


صعد طفل إلى مسرح المدرسة ليقرأ شعراً في حفل أقامته المدرسة بحضور الحاكم العسكري الإسرائيلي، وما إن انتهى من قصيدته حتى طلبه الحاكم الصهيوني وشده من أذنه طالبا منه ألا يعيد كتابة هكذا قصائد .. .. .

الحاكم سافر إلى النسيان فيما الطفل استمر في قصيدته التي (ملأت الدنيا وشغلت الناس)...

هكذا سنتحدث عنه بصيغة الماضي والماضي الناقص أيضاً . .. .

يا لثقل اللغة عندما تضطر أن تتحدث عن محمود درويش الذي كان، تتحدث عنه بلغة الغائب الذي لن يعود جسدا وصوتا رخيما تنحني له المنابر. . . . . . صوت هو الشعر وحده إن غابت البلاغة والبيان فكيف إذا نطق بقصائد هي ملاذ الشعر العربي من إشاعات الموت والعزلة أو الموت عزلة؟!

لم يكن شاعراً كبيراً في فضاء القصيدة العربية، لا ولم يكن نجماً فحسب . . .محمود درويش كان ظاهرة ، كان حين يكتب المقال الافتتاحي في «الكرمل» يقرئنا شعراً منثوراً في هيئة مقال صحفي، وحين يؤنب سياسياً أو يؤبن شاعراً أو كاتباً، وحين يلامس موضوعاً أدبياً أو فكرياً كان هو هو محمود الذي يفيض شعراً عالياً يتجاوز السائد ـونفسه ـ باستمرار، ويفتح مسارب جديدة للإبداع حتى غدا معيناً لا ينضب للشعراء، وأصبح الكثيرون صدى لصوت هذا العبقري الذي يعيد سيرة المتنبي في عصر الفضاء، فـ(ينام ملء جفونه عن شواردها/ ويسهر الخلق جرّاها ويختصم).

أعطى للكثير من المثقفين دروسا في الالتزام دون تغليب للشعار على الشعر ولا اليومي على الأبدي.. .. . وإذا كان الأمل العظيم والألم العظيم يخلقان الأدب العظيم فمحمود درويش هو ابن كليهما، الألم العظيم بمأساة شعبه وهو يتعرض لأبشع احتلال عرفه العصر، فيشرد من أرضه وتدمر قراه ومدنه وأحلامه، ومأساته الشخصية كجزء من الألم الجمعي بتشريده وأسرته من قريته البروة، وإحلال مستوطنة يهودية مكانها، وقبل كل ذلك مأساة الفقر التي كانت دائما أصل المشاكل، وكان هو ما دفعه إلى الانخراط في صفوف الشيوعيين والكتابة في الاتحاد الحيفاوية التي أصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والتي كانت اقوي منبر ضد الاحتلال الصهيوني، ومن صفحاتها خرج إضافة إلى درويش توفيق زياد وسميح القاسم وإميل حبيبي ومعظم من سمي آنذاك بشعراء المقاومة أو الأدب المقاوم. . . .

والأمل العظيم حيث الثقة بقدرة الشعب على اجتراح المعجزات وتحقيق النصر،

وفي ديوانه «عاشق من فلسطين» يرسم خارطة الوطن وتفاؤله بمستقبل النضال الوطني الفلسطيني مهما كثرت الصعاب والتضحيات:

وقلت لليلتي: دوري!

وراء الليل و السور..

فلي وعد مع الكلمات و النور..

و أنت حديقتي العذراء..

ما دامت أغانينا

سيوفاً حين نشرعها

و أنت وفية كالقمح ..

ما دامت أغانينا

سماداً حين نزرعها

و أنت كنخلة في البال،

ما انكسرت لعاصفة و حطّاب

وما جزّت ضفائرها

وحوش البيد و الغاب..


وبنفس الوضوح يقدم نفسه صورة للفلسطيني الذي يعرف جيداً طريقه إلى الحرية:

أنا زين الشباب ،و فارس الفرسان

أنا. و محطّم الأوثان.

حدود الشام أزرعها

قصائد تطلق العقبان!

و باسمك، صحت بالأعداء:

كلي لحمي إذا ما نمت يا ديدان

فبيض النمل لا يلد النسور..

و بيضة الأفعى ..

يخبىء قشرها ثعبان!

خيول الروم.. أعرفها

و أعرف قبلها أني

أنا زين الشباب، و فارس الفرسان

بهذه البساطة والوضوح والجمالية الشعرية شرح الشاعر منذ البداية علاقته بالوطن:

آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة

وأنا لست مسافر

فأنا العاشق

والأرض حبيبة

وكيف لا يكون الشاعر مليئا بالغضب والتمرد والثورة و (وطني حبل غسيل/ لمناديل الدم المسفوح/ في كل دقيقة)

في لبنان حيث رحلته الأطول بعيدا عن فلسطين ومع المقاومة، كانت مأثرة ومجزرة مخيم تل الزعتر محطة مؤثرة في الرحلة الوطنية خلدها درويش بـ«أحمد الزعتر»:

كان اغتراب البحر بين رصاصتين

مخيّما ينمو ، و ينجب زعترا و مقاتلين

و ساعدا يشتدّ في النسيان

ذاكرة تجيء من القطارات التي تمضي

و أرصفة بلا مستقبلين و ياسمين

كان اكتشاف الذات في العربات

أو في المشهد البحري

في ليل الزنازين الشقيقة

قي العلاقات السريعة

و السؤال عن الحقيقة

في كل شيء كان أحمد يلتقي بنقيضه

عشرين عاما كان يسأل

عشرين عاما كان يرحل

عشرين عاما لم تلده أمّه إلّا دقائق في

إناء الموز

وحين حسمت الهمجية الصهيونية بالتعاون مع النظام العربي المتهالك أمرها ضد المقاومة الفلسطينية بصيغتها «اللبنانية»، وشنت عدوان 1982 على لبنان والمقاومة الفلسطينية، سطرت بيروت حينذاك صمودها الأسطوري في وجه العالم الساكت كشيطان اخرس، كتب درويش ملحمته «مديح الظل العالي» أعاد فيها للقصيدة المنبرية اعتبارها وسجل إرادة الحياة للشعب المقاوم وفضح عجز الأنظمة المهزومة:

هي هجرة أخرى

فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما

سقط السقوطُ ، وأنت تعلو

فكرة ً

ويدا ً

و … شاما !

لا بر ّ إلا ســــــــــــــــــاعداك

لا بحر إلا الغامض الكحلي ّ فيك

فتقمص الأشياء كي تتقمص الأشياء خطوتك الحراما

واسحب ظلالك من بلاط الحاكم العربي ّ

حتى لا يعلقها وساما

واكسر ظلالك كلها كيلا يمدوها بساطا ً أو ظلاما

كسروكَ ، كم كسروك كي يقفوا على ساقيك عرشا

وتقاسموك وأنكروك وخبـّؤوك وأنشؤوا ليديك جيشا

حطـّوك في حجر ٍ .. وقالوا : لا تســلـّم

ورموك في بئــر ٍ .. وقالوا : لا تســلـّم

وأطلت حربك َ ، يا ابن أمي

ألــف عام ٍ ألــف عام ٍ ألــــف عام ٍ في النهار

فأنكروك لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة ِ والفرار ِ

ويقول متقمصا الفدائي الذي لا يعرف التراجع:

حاصـــــــــــر حصارك َ ….. لا مفـر ُّ

سقطت ذراعك فالتقطها

واضــرب عدوك .. لا مفر ُّ

وسقطت قربك ، فالتقطني

واضرب عدوك بي .. فأنت الآن حــر ُّ

حــــر ٌّ …… وحــــر ُّ

قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة ٌ

فاضرب بها . اضرب عدوك .. لا مفرُّ

أشـــلاؤنا أسماؤنا

حاصـر حصـارك بالجنون ِ

…. وبالجنون ِ ….. وبالجنون ْ

ذهب الذين تحبهم ذهبوا

فإما أن تكون أو لا تكون.

في الانتفاضة الأولى 1987 عاش يومياتها وكتب «عابرون في كلام عابر» وفيها دعوة للمحتلين أن يأخذوا ساعاتهم من وقتنا وينصرفوا وان يخرجوا من ذكريات الذاكرة، وتقديس للحجر الفلسطيني الذي اعاد القضية إلى واجهة الاحداث بعد ان توهم المحتلون انهم ابعدوا الثورة عن محيطها الطبيعي وشتتوا قواها فجاء الحجر الذي يبني سقف السماء:

أيها المارون في الكلمات العابرة

احملوا أسماءكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،وانصرفوا

وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة

و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا

إنكم لن تعرفوا

كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

وفي الانتفاضة الثانية كتب لمحمد الدرة شهيد الانتفاضة والطفولة، وكتب «حالة حصار» خلال معايشته لحصار العدو لرام الله ومدن فلسطين الأخرى، و كتب لاعب النرد القصيدة التي تحمل كثيرا من نبوءة تميز بها الشاعر في إحساسه بموته القريب، فهو يكرر لازمة (من أنا لأقول لكم ما أقول لكم) ويعدد صدفا أنقذته من الموت مرارا.

تميزت قصائده مؤخراً بالتأمل والهدوء والعمق الفكري والفلسفي وملامسة الحب وصبواته مع نبرة حزن وميل إلى استعادة السيرة الذاتية للشاعر ولفلسطين، لكنه لم يبتعد يوما عن الدفاع عن الوجود الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال، ويكفي ان نعرف انه بعد اتفاق أوسلو سيء الصيت استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجا على الاتفاق رغم علاقته الحميمة مع الزعيم الراحل ياسر عرفات.

والحديث عن إبداع درويش وقصائده وسيرته يطول ويطول.

في «طباق إلى ادوارد سعيد» يكتب:

وقال: إذا متّ قبلكَ

أوصيك بالمستحيل

سألت:

هل المستحيل بعيدٌ؟

فقال: على بعد جيل

سألت:

فإن متّ قبلك

قال: أعزّي جبال الجليل

أنعزّي الآن جبال الجليل؟ أم نعزي كل نسمة ريح تعطرت بالشعر يخرج من غمد الحقيقة فيصفع عجزنا وصمتنا وموتنا اليومي، الشعر الذي يخرج الحي من الميت ويربي الأمل كما يجيب الشاعر في حالة حصار.

الآن ستعدّ لك التي (تحبها حتى التعب) الأرض كي تستريح، فهل آن لك أن تستريح؟ أم إنك استعجلت الرحيل والقصيدة ما زالت في ريعان القها؟!

نودعك جسدا موقنين أن الأرض التي أنجبت كل هذا الشعر والزيتون والبرتقال ستلد الشعراء والأنبياء حتى يخرج الغزاة من وقتها وهوائها وشمسها ومائها . . . وآن أن يخرجوا

محمود درويش غادرنا مبكرا لكن ظله العالي سيبقى يملأ كل فراغات الروح.
avatar
ادريس
عضو جديد
عضو جديد

عدد الرسائل : 25
العمر : 33
تاريخ التسجيل : 25/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى