منتدى الاشتراكي الثوري
اهلا وسهلا بالزائر الكريم
انت غير مسجل في المنتدى نتمنى منك التسجيل
لاتفتك فرصه المشاركه والنقاش الموضوعي وابداء الرأي


عــــــاشــــــــــت المــــاركــــــــسية اللــــــــــــــــينيــــة المــــــــاويـــــــة

خواطر حول اللغة والهوية القومية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خواطر حول اللغة والهوية القومية

مُساهمة من طرف نبيل عودة في الأحد نوفمبر 27, 2011 6:03 pm


خواطر حول اللغة والهوية القومية

بقلم: نبيل عودة


أود الإشارة باني لست باحثا لغويا، بل اكتب من المنطلق الفكري أولا ومن تجربتي الشخصية ثانيا، وقد رصدت في واقعنا العربي داخل إسرائيل قضايا عديدة تناولتها بمجموعة مقالات، اللغة هي جانب هام فيها.
أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب ولدارسي الحضارة العربية، وقيمة هذه اللغة وحيويتها، وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ، هي من المواضيع التي بات طرحها في الآونة الأخيرة يتزايد نظرا لبطء مجامع اللغة العربية في استيعاب المصطلحات العلمية والتقنية ومحاولة إيجاد لفظ بديل في لغة الضاد، بدل تبني الاصطلاح الذي صار سائدا ولا ينتظر قرارات تأهيله لغويا، وعدم رؤية بادرة ما لتيسير هذه اللغة بما يتلاءم مع المناخ الفكري والثقافي المتغير دوما والمختلف عما كان سائدا في الماضي، عبر مختلف المراحل الثقافية.
إن بعض المشاكل التي لم تطرح، هي نتيجة ترسبات لم تجد حلولها، وباتت تشكل عائقا لغويا، للكثيرين من أبنائها، فنجدهم يهربون إلى لغات أجنبية لكتابة أبحاثهم ودراساتهم، بسبب إشكاليات المرجعية اللغوية العلمية والتكنولوجية في لغتهم الأم.
حقا اللغة وسيلة وليست غاية، ولكني لا أرى أن اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الشعوب،إذ يدعي البعض أن اللغة هي أساس التواصل القومي العربي. هذا الطرح عاطفي وغير علمي تماما. إن الهوية اللغوية المشتركة بين الفلسطيني والسعودي، أو المصري والتونسي، ودواليك، لا تجعلهم شعبا واحدا، ولا ثقافة واحدة ولا فكرا اجتماعيا واحدا ولا طباعا واحدة، رغم انتشار مفاهيم الانتماء القومي العربي، الذي يجري أيضا التنكر له من التيارات الدينية الأصولية، بطرح الانتماء الإسلامي كبديل للقومي. عمليا هناك مسافة واسعة في فهم مسائل دينية ودنيوية مختلفة، حتى داخل المجتمع الواحد أو التيار الديني الواحد، من أسباب ذلك ليس التعددية الفكرية بالأساس، بقدر ما هو الماضوية الفكرية وتصادمها مع الحداثة والتنوير.
اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية، والدين أيضا له دوره. ولكنهما ليسا من أهم العوامل. والواقع العربي القائم يثبت ما أذهب إليه. إن لغتنا لا تشكل هوية قومية مترابطة بين العرب. واليوم صرنا نستعمل اصطلاح الشعوب العربية أو الأمم العربية بإشارة إلى أن الشعوب العربية غير متكاملة من حيث هوية قومية واحدة،او هوية ثقافية واحدة، رغم ما يوحدها من لغة واحدة.. ودين واحد على الأغلب، ومرجعية لغوية واحدة.. بل وبات اصطلاح "الأمة الإسلامية" يطرح شكلا أوسع من "الأمة العربية "، في رفض ضمني لمفهوم القومية العربية، وفهم خاطئ لمفهوم الأمة، بأنها ليست ظاهرة كونية، أو ظاهرة عابرة لحدود الدول والقارات. وما يولده هذا الطرح من إشكاليات قومية وثقافية داخل المجتمع الواحد.
ولا أرى أن هذا الطرح (الأمة الإسلامية) يقدم شيئا للواقع العربي عدا النشوة العابرة... لأنه في الحقيقة لكل دولة مشاكلها الخاصة، وصراعاتها الخاصة، ثقافتها الخاصة، تركيبتها الاجتماعية المختلفة،عاداتها المختلفة، مستواها الاقتصادي المختلف، نظامها وقوانينها المختلفة والتي تؤثر على تطورها الاجتماعي، حتى في إطار انتماء ديني أو جغرافي واحد..
يجب عدم التجاهل أن نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وضعف تعليمي مصدره سياسات تعليمية لا توظف الميزانيات لتطوير التعليم، كما لا ترعى الجهود لرفع مستوى المعلمين والإدارة التعليمية، ولا توفير التجهيزات والبني التحتية المناسبة لمجتمع ينشد الرقي الحضاري، بل نرى نقصا في مقاعد الدراسة تقدر بأرقام من سبعة خانات (بعض المعلومات تتحدث عن 10 مليون طفل خارج سلك التعليم العربي).أي حرمان أجيال كاملة من حقوق إنسانية أولية نصت عليها كل المواثيق الدولية: حق التعليم. ومحاربة الأمية لم تنجز أي تقدم، بل الأرقام في ارتفاع، خاصة بين النساء.
مشكلة أخرى لدى "المتعلمين" مشكلة فهم المقروء من أوساط واسعة جدا، يجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية أو الفكرية أو الثقافية. وأن لا ننسى أيضا أن العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب الآخرون. وهناك عشرات اللهجات الغريبة الغائبة عن فهم مواطني الدول العربية، والمأساة أن متحدثي اللهجات المحلية، أحيانا لا يعرفون لغة أخرى غيرها (التقدير يقول بوجود 35 – 40 لهجة محلية)، أي أن اللغة لا تشكل أداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة أداة تباعد وتشرذم.
برأيي أن العائق الأخطر على التكامل القومي هو العائق الاقتصادي.المواطن العربي الذي يعيش تحت خط الفقر بدخل دولار واحد أو دولارين يوميا لا يحتاج إلى لغة وهوية قومية، يحتاج إلى رغيف خبز بات الحصول عليه صعبا.. وأنا أتحدث عن أكثر من ثلثي المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار إلى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5 % يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الإنتاج القومي المصري. فهل بالصدفة أن يخرج الملايين لإسقاط النظام الفاسد؟.
الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد. وبوضوح أكثر "الإقتصاد المشترك"، عبر تطوير مستوى الدخل وتخطيط إنتاج فرص عمل للأجيال الجديدة، ينقل المجتمع إلى مرحلة ارقي تعليميا وتطويرا اقتصاديا واجتماعيا وعلميا – العلوم اليوم هي قوة اقتصادية مركزية. والهدف خلق واقع جديد.
للأسف العالم العربي لأسباب عديدة، بينها أسباب خارجية مؤثرة ولكنها ليست حاسمة، وبينها، وهذا الأساس، قصور وإهمال صارخ من الأنظمة، من تركيبتها التي لم تعد تناسب عصرنا المتطور والديمقراطي، واستقلال مؤسسات السلطة، وتبادل ديمقراطي للحكم، وليس حكما فاسداً وراثياً تسيطر عليه عصابات مافيا، ولا يتغير إلا إذا وصل الشعب لدرجة الانفجار الباستيلي (من ثورة الباستيل).. كما شاهدنا في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والحبل على الجرار.
نظرية أن الهوية القومية في جذور تكوينها الاقتصاد المشترك، طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر، كارل ماركس. وقد ثبت صحتها. الدول المتطورة اقتصاديا، تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها، وبنفس الوقت لم يتأثر وضع الدين أو الهوية الدينية، بل أعطيت حريات دينية واسعة، وحرية من الدين. وظلت للديانات مكانتها ودورها.وبكلمات أخرى، الدول المتطورة تعطي حرية دينية شاملة لا تتوفر في الدول التي تدعي انها تسير على نهج الشريعة الدينية.. حيث تسود عقليات بعيدة عن أي فكر منطقي، وقوانين من العصور ما قبل الوسطى، وغياب كامل لأي مفهوم ديمقراطي بسيط، وحرية الرأي محددة، ويعاقب القانون كل من يتجاوز رأي السلطتين السياسية والدينية.
عندما أقول الاقتصاد المشترك، لا اعني ما هو سائد في الدول الفقيرة وضمنها معظم دولنا العربية، بما فيها الدول النفطية، هذا ليس اقتصادا بقدر ما هو عجز تنموي وغياب فكر اقتصادي وبرمجة اقتصادية وإستراتيجية اقتصادية، وعجز تطوير مستوى الحياة والرفاهية الاجتماعية، إلا لعصابات السلطة والمقربين من شخصيات النظام، والنتيجة بطالة متزايدة وغياب التخطيط الاقتصادي لضمان فرص عمل للأجيال الجديدة. وبالمقابل تطوير أجهزة القمع لضمان الأمن السلطوي.
النماذج في عالمنا، لدور الاقتصاد المشترك في بناء القوميات كثيرة، والنموذج الأقرب لنا هي دولة إسرائيل، أحببنا ذلك أم لم نحبه. من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة،ومختلفي المستوى الفكري والاجتماعي، بل من ثقافات متناقضة وكثيرة المفارقات، بعضها في القمة وبعضها في الحضيض، ونوعيات سكانية متناقضة، وألوان شتى، أنشئوا دولة وشعبا متماسكا، واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم، وطوروا العلوم والهايتك والأبحاث ليحتلوا مكانة متقدمة في السلم العالمي. وليس سرا أن اقتصاد إسرائيل لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية. إلى جانب نظام ليبرالي ديمقراطي بمؤسسات مستقلة، لا تتردد في محاسبة أي مسئول من رئيس الدولة حتى أصغر موظف. ورغم غنى مداخيل المواطنين في إسرائيل، بما فيهم الأقلية العربية، بالمقارنة النسبية مع كل دول الشرق الأوسط (30 – 35 ألف دولار حصة الفرد من الناتج السنوي) إلا أن وجود فجوات اجتماعية اقتصادية آخذة بالاتساع بين الأغنياء والفقراء، فجر انتفاضة اجتماعية أرعبت السلطة، وما زالت الانتفاضة متواصلة رغم كل التعديلات التي أقرت، ولم تقنع قادة الانتفاضة بأنها كافية.. ولم يحدث اعتداء بوليسي على المتظاهرين، بل توفر حماية بوليسية للمظاهرات وأمن المتظاهرين (ملاحظة، للأسف بعض المواقع تحذف مثل هذه المقاطع من مقالاتي أو لا تنشرها من فهمها العاجز انه مدح لإسرائيل، هل المشكلة في فهم المقروء؟ هذه الحقيقة مؤلمة حقا لعالمنا العربي، ويصر البعض على رفض معرفتها، ويتواصل التهريج عن قرب خلاصنا، بمعونة الله، من إسرائيل، وليتهم كرسوا جهد حسابات نهاية اسرائيل في تطوير المجتمع والعلوم والاقتصاد، وسننتظر نهاية إسرائيل حين ينور الملح في مزارع العرب!!).
أسوق هذه التفاصيل ليقيم القارئ العربي الفجوة الرهيبة في المقارنة بين نظامه "الوطني الوحدوي الاشتراكي الثوري.. الخ" ونظام عدوه، ليفهم أسباب قوة عدوه وحصانته واستمرار عدوانه واحتلاله لأراض عربية في ظل عجز عربي مخجل نسميه "أمريكا" حتى لا نقر بعجزنا!!
إذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وأبحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم وتطوير العلوم والتوظيف في الأبحاث الجامعية، وتطوير اللغة وعدم البقاء في اسر الماضي، والوهم بأن العودة إلى الماضي هي الطريق للتقدم.. وبناء دول المؤسسات المستقلة وتبادل ديمقراطي للسلطة.
الموضوع ليس اعتزازنا وحبنا للغتنا وما أنجزناه من حضارة، إنما قضية جعل اللغة العربية لغة علوم وتكنولوجيا. هناك مشكلة في إيجاد الاصطلاحات العلمية والتقنية باللغة العربية. والجريمة التي ترتكب هي محاولة إيجاد صياغات بديلة تولد ميتة ومحنطة وغير قابلة للاستعمال وتعيق على لغتنا. مثلا ما الضرورة لنحت اصطلاح "التخطيطية" بدل اصطلاح دارج ومفهوم وسهل الاستعمال مثل "استراتيجية"؟
لا شك أن اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس هي هم قومي وفكري.
*****
هل كان يمكن أن يصبح نزار قباني الشاعر الأكثر قراءة وتأثيراً لو لم يصر على نهجه الحداثي لغة وأسلوباً وأفكاراً؟
هل يوجد في اللغة العربية لغة فصحى كلاسيكية، ولغة فصحى أخرى حديثة يسميها البعض "لغة الصحافة"؟ أم أن الفصحى هي فصحى واحدة تتطور وتتعدل حسب الظروف الحياتية والواقع الاجتماعي والاقتصادي المتحرك ؟!
معروف انه يوجد نقاش لم ينته بين مؤيدي الكتابة بالفصحى ومؤيدي الكتابة بالعامية، وهناك اتجاه ثالث، وسطي، ينادي بتقريب الفصحى للعامية، وتقريب العامية للفصحى (تفصيحها)!!
لا يمكن برأيي نفي موروث اللغة العامية وتعابيراتها المفعمة بالدقة والحرارة، والتي لا بديل لها أحيانا بالفصحى.
كذلك لا يمكن القول أن تراثنا بلغته ومفرداته لم يعد ذا أهمية. إذ لا شيء يتطور من العدم. أما مدى العلاقة الدينامكية، بين الموروث والحديث، بين أساليب التعبير القديمة وأساليب التعبير الحديثة، بين أساليب الصياغة القديمة، وأساليب الصياغة الحديثة، فتلك برأيي تبقى مسالة للغويين، وليست لنا نحن الكتاب والشعراء وسائر المبدعين...
للأديب مهمة محددة، كما افهم... أن ينقل بشكل فني ما يراوده من أفكار وصور، وبلغة تتلاءم مع زمانه ومكانه، دون التقيد بأهلية هذه المفردات أو عدم أهليتها، لأنه عندما نتحول من الإبداع في لحظة نشوة، إلى البناء المحسوب بمقاييس لغوية متزمتة، عندها لن ننتج أدبا وفنا إنما فذلكات ذات شكل لغوي بلا مضمون فني، وبلا حياة !!
وأعود للبداية : ما هي لغة الصحافة ؟!
هل هي نبتة غريبة في بستان اللغة العربية ؟
هل هي لغة أخرى دخيلة على لغة الضاد ؟
أنا أحدد واعرف بنفس الوقت، أن لغة الصحافة، هي اللغة ذات المفردات الأكثر استعمالا وفهما في محيط اللغة العربية الواسع.
هل هذا ينفي تطوير مفردات جديدة ؟ أو الاستفادة من مفردات كلاسيكية تعبر بشكل أدق وأجمل عما نريد قوله، وبشكل بعيد عن التعقيدات، والفذلكات اللغوية؟!
أحاول هنا أن أحدد فهمي للموضوع برمته، ربما هذه التسمية "لغة الصحافة" هي تسمية خاطئة، ولا تعبر تماما عن الواقع. أنا أميل لتسميتها ب "الفصحى السهلة"... أو "الفصحى الحديثة" كمميز لها عن الفصحى الكلاسيكية. وفي الوقت نفسه أرى أن اللغة في كل زمان ومكان يتحدد شكلها وثروة مفرداتها، حسب معطيات العصر نفسه.
حاولوا أن تكتبوا عن واقع العراق المأساوي بصياغات ومفردات وأسلوب الجاحظ.. أو عبدالله بن المقفع... أو حتى طه حسين الأكثر حداثة.
خذوا قصة أو رواية لكاتب ما، حنا مينا مثلا... وحاولوا أن تبدلوا مفرداتها بمفردات كلاسيكية، أو أن تصبغوا النص بأسلوب كلاسيكي...
هل ستحصلون على مبنى روائي أجمل وفنية أرقى، ولغة أبعد تأثيرا ؟!
لا شك عندي من عبث المحاولات.
إن فنية العمل، لا علاقة لها بمدى ضلوع الأديب بنحو اللغة وقواعدها، اللغة جهاز (أداة) أساسي وضروري ولا إبداع بدونه. أما الإلمام علميا بتفاصيلها وقواعدها، فهو عامل ايجابي، ولكنه ليس العنصر الأساسي للإبداع الفني، وبالطبع تبقى المسألة نسبية.
إن اللغة جسم حي ومتطور باستمرار، ولكل عصر لغته، مفردات ومعان ومناخ ثقافي وفكري، وما يسمونها اليوم " لغة الصحافة " هي في الحقيقة اللغة الفصيحة السهلة المعاصرة الأكثر سرعة في التكيف مع الواقع.
وكما إننا لا يجوز أن ننقطع عن الموروث اللغوي والثقافي، فلا يجوز كذلك أن يقف الموروث حاجزا أمام التطور الدائم للغة.
*****
أثناء قراءتي لكتاب "الثقافة والامبريالية" للمفكر الفلسطيني د. ادوارد سعيد (ترجمة استاذ اللغة العربية في الجامعات البريطانية بروفسور كمال أبو ديب) وقعت بفخ المفردات المعجمية، والصياغات اللغوية المركبة، مما جعلني أكرس جهدا مضاعفا لفهم لغة الكتاب العربية أولا، قبل أن افهم الطرح الفكري المثير للكتاب. وكنت قد "تورطت" قبل "الثقافة والامبريالية" بقراءة كتاب لادوارد سعيد أيضا، ولنفس المترجم، وهو كتاب "الإستشراق"، وهزمتني لغة الكتاب، شديدة التعقيد والغرابة، ولم أستطع الصمود في معاناة القراءة والبحث عن تفسير للمعاني، كنت وكأنني اقرأ كتابا بلغة أجنبية لا أتقنها جيدا، وعلمت من صديق لي، مثقف أكاديمي، انه فشل في قراءة النص بالعربية وقرأه بنصه الأصلي باللغة الانكليزية، وانه هو الآخر لا يفهم ضرورة هذا التعقيد والنبش لإيجاد مصطلحات عربية لا يستعملها جيلنا، ولن يستعملها أحد من الأجيال المقبلة، وذلك بدل تطوير اللغة العربية وتسهيلها، كما حدث ويحدث بمختلف اللغات العالمية.وقد قرأت نقدا من مثقفين لبنانيين، ذوي أسماء معروفة، لترجمة كتاب الإستشراق، وقالوا: "إن ترجمة كمال أبو ديب تحاج إلى ترجمة عربية ليفهما القارئ العربي".
كتاب ادوارد سعيد "الإستشراق" قرأته فيما بعد مترجما للغة العبرية، بلغة واضحة وسهلة الفهم،أصابتني بالغيرة، كيف تطورت العبرية من لغة ميتة إلى لغة علوم وثقافة سهلة الاستعمال وميسرة لمستعمليها تأليفا وترجمة واصطلاحات، بينما لغتنا تغط بسبات عميق، وما زلنا نلوح بشعارات متكبرة لن تقود إلا إلى المزيد من الضمور اللغوي.. والسؤال الذي أحزنني: لماذا الترجمة العبرية مفهومة لقارئ مثلي يعيش نبض اللغة العربية ويعشقها ولا يستطيع قراءة نفس الكتاب بلغته الأم – اللغة العربية، التي تشكل محورا لعالمه الإبداعي؟
إذن لمن نصدر كتبنا؟
لمن نكتب إذا كنا غير مفهومين بصياغاتنا؟ هل هو إقرار بصحة مقولة ابن خلدون الذي قال: "لغة الأمة الغالبة غالبة ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة؟"
إذا عجزنا كمثقفين عن فهم ترجمة بلغة عربية (ولا استهتر بقدرات المترجم وموسوعيته)، ولكنها ترجمة نخبوية بعيدة عن المناخ الثقافي السائد حتى في أوساط المتعاملين باللغة، فما هو حال سائر المواطنين؟ وأنا أظن أن الموضوع ابعد خطرا من مجرد ترجمة كتاب. الموضوع يطرح واقع اللغة العربية، وواقع المجتمعات العربية، وواقع التواصل بين الشعوب العربية.
كيف نصبح شعبا قارئا، حين نعجز عن فهم المقروء؟ وكيف نصبح امة واحدة حين لا تجمعنا لغة واضحة متطورة، ولا اقتصاد واحد يصهرنا اجتماعيا وثقافيا.
أتوقع أن يجري الرد على مواقفي بنفس الأفكار التي مللنا من استعمالها، بوهم أنهم وجدوا ما عجز عنه آبائهم بدون فهم أن المعايير القديمة لا تصلح لعصر جديد.وان الموروث جيد في وقته، وان اختلاف المعاش يقود إلى اختلاف التفكير واختلاف الاحتياجات واختلاف سلم الأولويات وضرورة تبني قناعات جديدة. نحن لا نعيش في عزلة عن عالمنا. بل بتأثير متبادل، حتى الآن كان تأثيرا من جانب واحد. وكم نبدو صبيانيين بظننا أن قديمنا يصلح لعالم اليوم، وهو لا يصلح لأكثر المجتمعات تأخرا.
والأخطر، كيف يصبح لنا دورا اجتماعيا وسياسيا في تقرير مستقبل أوطاننا، إذا كنا عاجزين عن فهم، على الأقل... لغتنا البسيطة المستعملة في وسائل الإعلام؟ وعليه كيف يمكن أن ندعي أن اللغة هي ضمن تواصلنا القومي؟
نبيل عودة- كاتب ، ناقد واعلامي فلسطيني

نبيل عودة
عضو متقدم
عضو متقدم

عدد الرسائل : 44
العمر : 70
تاريخ التسجيل : 27/11/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى